جلال الدين السيوطي

67

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

في تذكرة ابن مكتوم : قال ابن جنيّ حدثنا أبو علي الفارسيّ ، قال : كان الأخفش ينتاب سيبويه مستفيدا ، فجاء يوما والسماء تمطر ، وسيبويه في منظرة له ، فدقّ الباب ، فأشرف عليه قائلا : من ذا ؟ فقال : سعيد بن مسعدة . قال : وما تريد ؟ قال : جئت لأقرأ شيئا . قال سيبويه : اقرأ حيث أنت ، ولم يكن هناك كلمة ولا شيء لسيبويه ، فأخذ يقرأ ويسأل وهو واقف ، فلما رأى سيبويه ذلك علم جدّه فيما قصد له ، فقال له : اصعد يا أبا الحسن ، فصعد إليه فأكرمه وقرّبه منه ، وكان بعد ذلك يدني مجلسه ويزيد في تقريبه . وفيها عن كتاب الفصوص لصاعد اللغويّ « 1 » ، قال : حدثنا أبو علي الفارسيّ حدثنا أبو إسحاق الزجّاج أخبرنا المبرّد عن المازنيّ عن الأخفش قال : كان أمير البصرة يقرأ على المنبر : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [ سورة الأحزاب ، الآية 56 ] بالرفع ، فصرت إليه ناصحا له ومنبّها ، فتهدّدني وأوعدني ، وقال : تلحنون أمراءكم ؟ ثمّ عزل وتقلّد محمد بن سليمان الهاشميّ ، فكأنّه نطقها « 2 » من في المعزول ، فقلت : هذا هاشميّ ونصيحته واجبة ، فجبنت عنه وخشيت أن يتلقّاني بمثل ما تلقّاني به الأوّل ، ثم حملت على نفسي ، فأتيته ، فقلت : أصلح الله الأمير جئت لنصيحة . فقال : قل . فقلت : أنتم أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة والفصاحة وتقرأ ( إن الله وملائكته ) ، وهو لحن لا وجه بالرفع له . فقال : جزاك الله خيرا ، قد نصحت ، فانصرف مشكورا . فانصرفت ، فلما خرجت صرت في نصف الدرج إذا قائل لي : قف مكانك . فوقفت وساء ظنّي وخفت أن يكون أخوه قد أغراه بي فإذا بغلة سفواء وغلام وجارية وبدرة وتخت ثياب وقائل يقول : هذا لك قد أمر به الأمير . فانصرفت مغتبطا .

--> ( 1 ) من كتاب الفصوص : 2 / 70 - 71 . ( 2 ) في كتاب « من كتاب الفصوص » : « تلقّنها » . انظر : 2 / 71 .